أبو عبد الله العبدري

12

رحلة العبدري

4 - منهج العبدريّ في تأليف الرّحلة : أوضح العبدريّ في مقدّمة الرّحلة منهجه في تأليفها فقال : « 1 » « . . . وبعد فإنّي قاصد بعد استخارة اللّه سبحانه إلى تقييد ما أمكن تقييده ، ورسم ما تيسّر رسمه وتسويده . ممّا سما إليه النّاظر المطرق ، في خبر الرّحلة إلى بلاد المشرق ، من ذكر بعض أوصاف البلدان ، وأحوال من بها من القطّان ، حسبما أدركه الحسّ والعيان ، وقام عليه بالمشاهدة شاهد البرهان ، من غير تورية ولا تلويح ، ولا تقبيح حسن ، ولا تحسين قبيح ، بلفظ قاصد لا يحجم معرّدا ، ولا يجمح فيتعدّى المدى ، مسطّرا لما رأيته بالعيان ، ومقرّرا له بأوضح بيان » . وقد كان العبدريّ وفيّا لهذا المنهج الّذي ارتضاه لرحلته ، مطبّقا له ، فقد وصف البلدان وصفا دقيقا بمبانيها ، وآثارها ، وكثيرا ما كان يعّرج على أهلها فيصف عاداتهم وتقاليدهم ، ولباسهم ، ومستواهم العلمي ، ولم يكن متساهلا في نقد ما كان يراه غير طبيعّي سواء في أخلاق النّاس أو في عاداتهم ، وخصوصا فيما يتعلّق بالنّاحية العلميّة للبلاد الّتي كان يدخلها ، كقوله عن طرابلس : « 2 » « . . . ثم وصلنا مدينة طرابلس ، وهي للجهل مأتم ، وما للعلم فيها عرس . . . » . وقوله عن تلمسان : « 3 » « . . . وأمّا العلم فقد درس رسمه في أكثر البلاد ، وغاضت أنهاره فازدحم على الثّماد ، فما ظنّك بها وهي رسم عفا طلله ، ومنهل جفّ وشله . . . »

--> ( 1 ) - الرّحلة : 28 . ( 2 ) - الرّحلة : 184 . ( 3 ) - الرّحلة : 49 . وغاض الماء : نقص - والثّماد : الحفر يكون فيها الماء القليل . والوشل : الماء القليل يتحلّب من جبل أو صخرة ، يقطر منه قليلا قليلا .